وعي

منصة للتصدي للفكر الدخيل

تم بحمد الله الافتتاح في مايو 2025م
الإلحاد الروحي المشرف المقالات

أسلمة الشركيات وأشركة الإسلاميّات

في العقود الأخيرة، ومع تصاعد الخطاب التنموي والروحاني المستورد، ظهر نمط خطير من الخلط العقدي يمكن تلخيصه في مسارين متناقضين في الظاهر، متكاملين في الأثر وهما أسلمة الشركيات من جهة، وتشريك الإسلاميّات والعبادات من جهة أخرى، وكلا المسارين يفضي في النهاية إلى تفريغ التوحيد من جوهره، وإعادة صياغة الدين وفق تصورات بشرية سقيمة أو فلسفات وثنية دخيلة.

أسلمة الشركيات

ويقصد بها إلباس مفاهيم شركية أو وثنية لباسًا إسلاميًا عبر إسقاط مصطلحات أو آيات قرآنية أو نبوية عليها، لإضفاء الشرعية عليها وقبولها داخل المجتمعات المسلمة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك:

قانون الجذب: وهو مفهوم قائم على الاعتقاد بأن الكون يستجيب لأفكار الإنسان ونواياه بذاته، وأن العقل البشري قادر على “جذب” الأحداث دون تعلق حقيقي بالله، فيتم ترويجه على أنه هو ذاته حسن الظن بالله أو التوكل، مع أن الفرق جوهري؛ فحسن الظن عبادة قلبية متعلقة بالله وحده، أما قانون الجذب فيجعل الكون أو الطاقة وسيطًا مستقلًا، بل فاعلًا بذاته.

الطاقة الكونية: حيث تُقدَّم على أنها قوة غيبية شاملة يُطلب منها الشفاء أو الرزق أو التوازن، ثم يُبحث لها عن أدلة في القرآن مثل قوله تعالى: «وجعلنا من الماء كل شيء حي»، أو يُستشهد بمفهوم النور والروح، مع أن طلب الحاجات من “الطاقة” هو صرف الدعاء لغير الله، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: 22]

الأحجار والذبذبات والشاكرات: يُدّعى أن الأحجار تشفي أو تضبط الطاقة، ثم تُربط بالرقية أو بالأسباب، ومنهم من قال أنها أسباب حقيقة وفائدتها ملموسة والتجربة خير برهان، أما الادعاء بأنها مجربة فهذا لم يثبت لا في المجال العلمي الطبي أو الأكاديمي أو التجريبي، ونقول بأنها عمليات سحرية يعرفها سحرة الشرق والغرب إنما وافقت هواهم ووجدوا فيها دخلاً ماليًا وشهرةً جعلتها عندهم وحدهم نافعة ومجربة، قال ﷺ: «من تعلق تميمة فقد أشرك» والتمائم المعاصرة وإن تغير اسمها فحقيقتها واحدة.

التأمل: وهو ممارسة دينية وثنية أصلها تفريغ الذات والاتحاد بالكون أو الوصول إلى “الوعي الكوني”، ثم يُعاد تسويقها على أنها تفكر إسلامي أو تدبر قرآني، بينما التفكر في الإسلام عبادة عقلية منضبطة تقود إلى تعظيم الخالق، لا إلى ذوبان الإنسان في الكون أو تعطيل العقل والذكر المشروع.

اليوغا: التي تتضمن أوضاعًا تعبدية ومانترات شركية، ثم يُقال إنها مجرد “رياضة” أو “استرخاء” مع إسقاط نيات إسلامية عليها، وكأن النية وحدها تكفي لتطهير الفعل من جذوره العقدية.

وهكذا تتحول الشركيات إلى ممارسات “مؤدلجة إسلاميًا” بالاسم، لكنها في حقيقتها تهدم التوحيد من الداخل، والأمثلة كثيرة منها صيام زكريا عليه السلام عن الكلام وتحنث محمد صلى الله عليه وسلم في الغار على أنه تأمل، وغيرها كثير من البدع والكفريات والشركيات التي أسلموها حتى تنطلي على المسلمين وتبدأ الانحرافات العقدية حتى ينسلخ المسلم عن دينه بالكلية.

أشركة الإسلاميّات

وهو المسار المقابل، حيث تُفرَّغ العبادات الإسلامية من معناها التعبدي، وتُعاد صياغتها بلغة الطاقة والإدارة البشرية الذاتية، وكأن الإنسان هو المتحكم في نتائج الغيب، ومن أمثلته:

طاقة أسماء الله الحسنى: حيث يُتحدث عن “تفعيل” الأسماء، وكأنها أدوات تقنية أو رموز طاقية، لا أسماء توقيفية يُتعبد لله بها وفق ما شرعه، فيصبح الذكر تقنية برغماتية نفعية لا عبادة خضوع. ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180] فمن تعامل مع أسماء الله الحسنى بغير مراد الله سبحانه فهو يلحد في الأسماء وهذا من الإلحاد الروحي المنتشر في هذا الزمان.

والقول بطاقة الكعبة: فيُقال إن الكعبة تشع طاقة كونية، أو أن الطواف يرفع “ذبذبات الإنسان”، بدل كونه عبادة محضة لله، وهذا يحوّل بيت الله من قبلة تعبّد إلى مصدر طاقة مستقل، وهو انحراف خطير يخرج العبادة في الحرم المكي والطواف والحجر الأسود من أمر رباني إلى شرك الأسباب.

إدارة الاستسقاء: وهي من أخطر الأمثلة، إذ تتحول صلاة الاستسقاء من عبادة خالصة تُظهر الافتقار إلى الله، إلى “إدارة طاقة المطر” أو “تنظيم ذبذبات جماعية”، وكأن البشر يتحكمون في نزول الغيث، لا الله سبحانه.

إعادة تفسير الدعاء: فيُقال إن الدعاء مجرد “برمجة عقلية” أو “رسائل للكون”، لا سؤال العبد لربه، فيُلغى معنى العبودية ويُستبدل بعلاقة نفعية ذاتية.

الخلاصة

إن “أسلمة الشركيات وأشركة الإسلاميّات” وجهان لعملة واحدة: إقصاء التوحيد الخالص، وإحلال الإنسان أو الكون أو الطاقة محل الله سبحانه في الفعل والتأثير، والخطر الأكبر ليس في الفكرة المجردة، بل في تطبيعها لغويًا وشرعيًا حتى تختلط على العامة، فيُظن الباطل حقًا والحق باطلًا، وما لم تُضبط المفاهيم بميزان الوحي وفهم السلف، فإن الشرك سيعود في صور جديدة وبأسماء براقة، “الشرك قد يتغير اسمه وصورته، لكن حقيقته واحدة”.

والواجب اليوم هو إعادة ضبط المفاهيم، وردّ العبادات إلى معناها التعبدي الخالص، وفضح كل محاولة لخلط الإسلام بفلسفات وثنية أو روحانيات دخيلة، حفظًا لعقيدة لا إله إلا الله من التمييع أو الزندقة باسم التطوير أو الوعي أو التنمية الذاتية.

مشرف منصة وعي