ماذا يريد المتلقي ،،، وماذا يجب أن يعرف المتلقي؟ بين إغراءات السوق ورسالة المعرفة وغياب البوصلة الحضارية
في السنوات الأخيرة شهدت الساحة الثقافية والإعلامية تحوّلًا عميقًا في طبيعة المحتوى الذي يُقدَّم، وفي الطريقة التي يتفاعل بها المتلقي معه، لم يعد السؤال المركزي: ماذا يحتاج الناس؟ بل تحوّل شيئًا فشيئًا إلى: ماذا يريد الناس؟ وبين هذين السؤالين نشأت فجوة واسعة، كثير من أصحاب المعرفة وجدوا أنفسهم أمام مفترق طرق حاد؛ فإما أن يسايروا رغبات الجمهور ليضمنوا الانتشار والحضور، وإما أن يظلوا أوفياء للمعرفة العميقة ولو قلّ بريقها في عالمٍ تحكمه المؤشرات والأرقام، ومع الأسف اختار عدد غير قليل الطريق الأول، فتزايد التباعد بين ما يُطلَب وما ينبغي أن يُقدَّم، وبين ما يستهلكه المتلقي وما يحتاجه حقًّا لبناء حياته وفكره ومستقبله، وهكذا لم يعد ما نراه مجرد تغير عابر في الأذواق، بل ظاهرة لها آثار اجتماعية وثقافية ومعرفية تستحق الكثير من التأمل.
ملامح المتلقي اليوم
المتلقي اليوم، في ظل العولمة الرقمية، أصبح ميّالًا إلى الإشباع الفوري؛ يبحث عن محتوى سريع وخفيف، لا يكلّفه جهدًا ذهنيًا ولا وقتًا طويلًا، يمكن أن يمرّ عليه مرورًا عابرًا وهو يتنقل بين الشاشات والمنصات، ومع تزايد حضور الترفيه، تقدّم الضحك والدهشة والغرابة على حساب المعرفة الراسخة والمهارة المتينة، فأصبح كثير من الناس يطاردون كل ما يثير فضولهم اللحظي، حتى لو لم يترك في وعيهم أي أثر باقٍ، وزاد من هذا التحوّل سطوة الترند، إذ صار ما هو شائع أهم من السؤال عن جدواه وفائدته، وصار الانجراف مع التيار أسهل بكثير من أن يختار المرء طريقه المعرفي بنفسه.
يمكن تلخيص مزاج المتلقي المعاصر في ثلاث سمات رئيسية:
- الانجراف مع السائد على حساب ما هو أنفع وأعمق.
- بحث عن الإشباع الفوري بدل البناء المتدرج.
- تفضيل الترفيه على التعلم الجاد.
ماذا ينبغي أن يعرف المتلقي؟
في المقابل يبقى السؤال الجوهري: ماذا يجب أن يعرف المتلقي؟ هنا يظهر المعنى الحقيقي لدور أهل العلم والخبرة والفكر، فمهمتهم لا تقتصر على تلبية الطلب، بل على ترشيده وتوجيهه وربطه بما ينفع الإنسان في دنياه وأخراه. من أهم ما يحتاجه المتلقي اليوم أن يُبنى وعيه الحياتي؛ أن يتعلّم كيف يفكر بطريقة نقدية، وكيف يدير وقته، وكيف يتخذ قراراته، وكيف يتعامل مع ذاته والآخرين بوعي ومسؤولية، ويحتاج كذلك إلى تغذية بُعده القيمي والإيماني، حتى يبقى للعلم معنى وللجهد غاية، فلا تتحول المعرفة إلى أداة بلا أخلاق، ولا النجاح إلى غاية منفصلة عن الرسالة والضمير.
وإلى جانب ذلك، تزداد الحاجة إلى أن يتعرف المتلقي على عوالم جديدة مثل الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبرمجة، والاقتصاد الرقمي، لا بوصفه مستهلكًا لهذه التقنيات فحسب، بل بوصفه قادرًا على فهمها والمشاركة في توجيهها، فالمجتمعات لا تنهض عندما تتحول إلى جمهور ضخم أمام الشاشات، بل عندما تتحول إلى كوادر علمية ومهنية قادرة على البحث والابتكار وصناعة المعرفة، لذلك فإن الاستثمار في بناء هذه الكوادر يبقى أعظم بكثير من الانشغال بمحتوى يملأ الوقت لكنه لا يضيف إلى رصيد الأمة شيئًا حقيقيًا.
ضغوط السوق على أصحاب المعرفة
تخلّي كثير من أصحاب المعرفة عن دورهم ليس ظاهرة بلا أسباب، الإغراء المادي لعب دورًا مهمًا، فالمحتوى السطحي والسريع غالبًا ما يجلب عوائد أكبر في زمنٍ ترتبط فيه الشهرة بالدخل، بينما يبقى المحتوى العميق محدود الانتشار، وإن كان أعمق أثرًا، يضاف إلى ذلك الرغبة في الشعبية، إذ يغري بريق الأرقام بعض صناع المعرفة فيندفعون إلى ما يرفع عدد المتابعين ولو كان على حساب القيمة، ومع اشتداد المنافسة، يبدأ البعض بمجاراة أنماط الترفيه السائدة خشية أن يطويهم النسيان.
من العوامل المؤثرة كذلك:
- تضخم معيار عدد المتابعين على حساب نوعية الأثر.
- غياب نماذج تجمع بين العمق العلمي والحضور الإعلامي الجذاب.
- شعور البعض أن الالتزام بالجدية يعني العزلة وضعف الانتشار.
ثم يأتي غياب القدوات ليزيد الصورة قتامة؛ حيث يندر أن يجد الشاب نموذجًا معاصرًا يجمع بين العلم الراسخ والحضور الإعلامي المؤثر، فيتسلل إلى الوعي أن الطريق الأقصر إلى النجاح هو التخفف من العمق.
العولمة وتشكيل الذائقة
العولمة من جهتها لم تكتف بفتح الحدود الاقتصادية، بل كسرت الحواجز الثقافية أيضًا، فصار المتلقي يتعرض يوميًا لثقافات وقيم وأساليب ترفيه مختلفة، كثير منها يقوم على الاستهلاك المبالغ فيه والمتعة غير المحدودة، وفكرة أن الإنسان موجود ليحصل على أقصى قدر ممكن من التسلية بأقل قدر من الجهد، ومع الوقت، يتشكّل في ذهنه نموذج غير معلن للحياة الناجحة: المزيد من المتعة، المزيد من الشراء، المزيد من الظهور، وأقل قدر من الأسئلة عن المعنى والهوية والجذور، وهكذا يتآكل الإحساس بالانتماء الحضاري، ويتراجع حضور القيم الدينية والأخلاقية التي ظلّت زمنًا طويلًا تشكّل بوصلة المجتمعات.
علاقة مختلّة بين مرسل ومتلقٍ
نتيجة كل ذلك أننا نقف اليوم أمام مشهد يلتقي فيه متلقٍ سلبي ومرسل متلون يقدّم نفسه بصورة إيجابية شكلية، المتلقي السلبي لا يبذل جهدًا في البحث أو التحقق، يكتفي بما يُعرض عليه في واجهة المنصات، فيتشكل وعيه من قائمة مقترحات لا علاقة له باختيارها، وفي الجهة الأخرى يظهر مرسل يبدو قريبًا من الناس، يتحدث بلغتهم، ويتحرك مع موجاتهم، لكنه في العمق لا يسعى إلى الارتقاء بذائقتهم ووعيهم بقدر ما يسعى إلى المحافظة على رضاهم، فيتحول من صاحب رسالة إلى منسّق لرغبات الجمهور، ومن صانع للوعي إلى متابع للوعي الجمعي، ويصبح جزءًا من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من الحل.
مداخل عملية لإعادة التوازن
إعادة التوازن بين ما يريده الناس وما يحتاجونه ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب جهدًا واعيًا من جهات متعددة، من المهم أن يُفتح أمام أهل المعرفة أفق جديد من الدعم والتشجيع، ماديًا ومعنويًا، حتى لا يشعروا أن اختيار الطريق الصعب يعني بالضرورة العزلة والخسارة، كما أن بناء ثقافة مجتمعية تقدّر القراءة والتفكير والسؤال، وتفهم أثر المحتوى في تشكيل المستقبل، يمكن أن يخلق طلبًا جديدًا على المعرفة الجادة يفرض نفسه تدريجيًا على السوق.
يمكن أن نركّز على خطوات مثل:
- دعم المنصات التي تحتضن المحتوى الجاد وتقدمه بطريقة جذابة.
- إبراز القدوات العلمية والفكرية بصورة قريبة من الناس.
- توعية الجمهور بأثر كل ما يراه ويشاهده في تشكيل وعيه وسلوكه.
- الموازنة في السياسات الإعلامية بين حرية الاختيار والمسؤولية المجتمعية.
إلى جانب ذلك، يمكن أن تسهم السياسات والمنصات في تنظيم المحتوى، لا من باب الوصاية الخانقة، بل من باب المسؤولية؛ بتيسير الوصول إلى المواد النافعة، وتشجيع إنتاجها، والحد من هيمنة التفاهة قدر المستطاع ضمن الأطر النظامية والأخلاقية المتاحة، والأهم من كل ذلك أن نعيد تعريف النجاح في أذهان الناس؛ فلا يصبح النجاح مرادفًا لمجرد عدد المشاهدات والمتابعين، بل يرتبط بعمق الأثر في وعي الإنسان وسلوكه وواقعه، وبما يضيفه الفرد لمجتمعه وأمته.
خاتمة
إن السؤال عن “ماذا يريد الناس؟” لا يكفي وحده لبناء مستقبلٍ متوازن، ما لم يُجاوَر بسؤال أعمق: “ماذا يحتاج الناس حقًّا؟”، حين تتحول المعرفة إلى مجرد سلعة، يتراجع حضور الرسالة لصالح حسابات السوق، ويغيب عن المشهد ذلك الصوت الذي يذكّر الناس بما ينفعهم وإن لم يطلبوه، إذا أردنا مجتمعًا واعيًا قادرًا على مواجهة تحديات الحياة والآخرة والعلم والعمل، فعلينا أن نراجع علاقتنا بالمحتوى إنتاجًا واستهلاكًا، وأن نعيد الاعتبار للمعرفة بوصفها أمانة قبل أن تكون مهنة، ورسالة قبل أن تكون وسيلة شهرة، عندها فقط يمكن أن نقترب من متلقٍ يبحث عمّا ينفعه، ومن مرسل يعلَم أنه مسؤول عما يقدّمه بين يدي الله ثم التاريخ.
وحتى تكتمل الصورة لابد من الإشارة أن الذي حصل ليس بشيء بريء ولا نزوة عابرة،،، بل مخطط أبليسي على يد الرعاة الحقيقيين للانفتاح الثقافي والاقتصادي والديني، أي على يد البناؤون والعصر الجديد.
مشرف #منصة_وعي




