وعي

منصة للتصدي للفكر الدخيل

تم بحمد الله الافتتاح في مايو 2025م
الطاقة الكونية المشرف المقالات

الريكي Reiki

بين الأصول الروحانية والإشكالات العقدية

المقدمة

في عصر يشهد انتشارًا متسارعًا لما يُسمى بـ”الطب البديل” و”علوم الطاقة”، انتشرت ممارسة الريكي انتشارًا واسعًا في أنحاء العالم، بما فيها العالم العربي والإسلامي، حتى باتت تحتل مكانًا بارزًا في مجال الطب التكميلي والعلاجات الروحانية، وكثيرًا ما يُقدَّم هذا النوع من العلاجات في قالب علمي وحديث، مما يجعل كثيرًا من الناس يُقبلون عليه دون أن يدركوا حقيقته الباطنية وجذوره العقدية العميقة. ويأتي هذا المقال ليكشف حقيقة الريكي من أصولها التاريخية والروحانية، ويستعرض علاقتها بالأديان والكائنات الغيبية، ويناقش مدى صحة ادعاءاتها العلمية، مع التركيز على الإشكالات العقدية التي تطرحها أمام المسلمين.

أولاً: التعريف بالريكي وأصلها

كلمة الريكي (霊気، Reiki) كلمة يابانية مركّبة من مقطعين: “ري” (霊 – Rei) وتعني الروح أو القوة الخارقة، و”كي” (気 – Ki) وتعني الطاقة الحيوية أو نفَس الحياة، والكلمة في أصلها مستمدة من الصينية “لينكي” التي تحمل دلالة “التأثير الخارق”، وقد ترجمها كثيرون إلى “طاقة الحياة الكونية” أو “الطاقة الروحية الشاملة”.

أما من حيث المعنى الاصطلاحي، فالريكي ممارسة روحانية تندرج ضمن ما يُعرف بـ”طب الطاقة”، تقوم على تقنية “الشفاء بالكف” (Palm Healing)، حيث يدّعي ممارسوها قدرتهم على نقل “طاقة الشفاء الكونية” عبر راحتي اليدين إلى جسد المريض، سواء بوضعهما مباشرة على الجسم أو بتمريرهما فوقه دون لمس.

ثانياً: نشأة الريكي وتطورها التاريخي

ينسب الريكي إلى الياباني البوذي ميكاو أوسوي (Mikao Usui)، الذي وُلد في 15 أغسطس 1865م في قرية تانجاي بمقاطعة جيفو باليابان، كان أوسوي رجلًا ذا طموحات روحانية عميقة، درس البوذية والطاوية والمسيحية والنفس.

أوسوي في عام 1922م قام بتجربة روحانية عميقة على جبل كوراما المقدس عند البوذيين، حيث قام بخلوة بوذية تستمر 21 يومًا تجمع بين التأمل والصوم والترانيم، وفي اليوم الأخير من خلوته، يُقال إنه “استنار” روحيًا واكتسب قوة الشفاء بالطاقة، وأنها دخلت إلى جسده عبر ما يُسمى “شاكرا التاج”، وهو يذكر أنه في نهاية الخلوة تم تعليمه الرموز بعد أن احس بشيء غريب، وللمعلومية فهذه أشهر طريقة لتعلم السحر عالميًا عبر التاريخ وذلك بالخلوة حتى يتم تعميده من شياطين السحر وتقدم له الرموز الأساسية للساحر المبتدئ.

بعد تجربته الروحانية، انتقل أوسوي إلى طوكيو وأسّس معهد أوسوي للعلاج بطريقة الطاقة الروحية في منطقة هاراجوكو عام 1922م، وقد أسهم زلزال اليابان الكبير عام 1923م في انتشار الريكي، حيث قام أوسوي وتلاميذه بمعالجة كثير من الضحايا، وفقًا للنقش على حجره التذكاري، درّب أوسوي أكثر من 2000 شخص خلال حياته، منهم ما بين 15 و20 وصلوا إلى مرتبة “ماستر الريكي”، توفي أوسوي في 9 مارس 1926م بعد إصابته بجلطة دماغية في مدينة فوكوياما، ولم يستطع علاج نفسه!.

بعد وفاته، استمر تلميذه تشوجيرو هاياشي (Chujiro Hayashi)، ضابط بحري متقاعد، في نشر الريكي، حيث افتتح عيادة في طوكيو كانت تضم 16 ممارسًا، وفي عام 1935م زارت هاوايو تاكاتا (Hawayo Takata)، وهي أمريكية من أصل ياباني، هذه العيادة بحثًا عن علاج لأمراض كانت تعاني منها، وبعد أشهر من العلاج حصلت على درجة “ماستر الريكي” في فبراير 1938م، ثم عادت إلى هاواي وأسست عيادات متعددة ودربت طلابها، ومنذ عام 1970م بدأت تدريس المستوى الثالث بمقابل 10,000 دولار أمريكي، توفيت تاكاتا في ديسمبر 1980م بعد أن دربت 22 ماستر ريكي، وتُنسب إليها انتقال الريكي إلى الغرب ومن ثم العالم كله.

اليوم أصبحت الريكي ممارسة منتشرة عالميًا، وتفرعت عن الريكي الأصلي فرع يُعرف بـ”الريكي الغربي”، كما أن للريكي ثلاثة مستويات متدرجة: المستوى الأول يتناول أساسيات العلاج الذاتي، والثاني يتضمن تعلم الرموز والعلاج عن بعد، والثالث يمنح صاحبه القدرة على تدريب الآخرين، ومازال في تطور وتفرع في التخصصات والممارسات وهذا هو حال السحر الذي يُعد علمًا يتطور مع الزمن والأحداث.

ثالثاً: علاقة الريكي بالأديان والمعتقدات والعالم الآخر

الريكي ليست ممارسة مجردة عن أي إطار ديني، بل هي نشأت في بيئة تمتزج فيها البوذية والطاوية والشنتوية، وأوسوي نفسه كان بوذيًا واستمد تقنياته من التأمل البوذي والممارسات الروحانية الشرقية، فالتجربة التي ادعى أنها حدثت له على جبل كوراما هي في صميمها تجربة “استنارة” بوذية.

وتقوم فلسفة الريكي على الاعتقاد بوجود “طاقة كونية ذكية” (السحر) تسري في كل شيء في الكون، وهي ما يُسمى “كي” في اليابانية أو “تشي” في الصينية أو “برانا” في الهندوسية، وهذا المفهوم ليس علميًا بأي مفهوم، بل هو فكرة دينية وثنية متأصلة في الفلسفات والأديان الشرقية، ترتبط بمعتقدات وحدة الوجود وألوهية الكون، كما تعتمد الريكي على مفهوم “الشاكرات” وهي مراكز الطاقة السبعة المزعومة في الجسم البشري، وهو مفهوم مستمد من الهندوسية واليوغا، ويُزعم أن انسداد هذه الشاكرات يسبب الأمراض، وأن الريكي تعمل على “تنظيفها وتوازنها”.

والريكي كذلك جزء أساسي من “حركة العصر الجديد ” (New Age Movement)، وهي حركة باطنية معاصرة تسعى لدمج معتقدات وثنية متعددة من أديان شرقية وغربية وفلسفات باطنية كالغنوصية والقبالة اليهودية، وتقديمها في قالب “علمي” أو “تطويري”، وتهدف هذه الحركة إلى ترسيخ مفاهيم وحدة الوجود والتناسخ والتواصل مع الأرواح والكائنات الميتافيزيقية.

أما فيما يخص علاقة الريكي بالعالم الآخر والأرواح والشياطين، فهي تتجلى في عدة جوانب، ففي المستويات المتقدمة من الريكي، يُشجع الممارسون على “التواصل” مع ما يُسمى “الملائكة” أو “المرشدين الروحيين” أو “كائنات النور” عبر التأمل العميق والدخول في حالات ذهنية متغيرة، من المنظور الإسلامي، فإن هذا “التواصل” مع عوالم غيبية خارج نطاق الوحي الإلهي هو  تعامل حقيقي مع الجن والشياطين الذين يتلبسون بصورة كائنات خيّرة لإضلال البشر.

ومن أغرب ممارسات الريكي ما يُسمى بـ”الدوزنة” أو “المواءمة ” (Attunement)، وهي طقس روحاني يقوم به المعلم للطالب يتضمن حركات رمزية ورسم رموز في الهواء حول جسد الطالب وترديد تعاويذ، ويُزعم أنه “يفتح قنوات الطاقة” ويربط الطالب بـ”مصدر الطاقة الكونية”، ويصف كثير ممن خضعوا لهذه التجربة شعورهم بـ”حضور غريب” أو “طاقة” (سحر) تدخل أجسامهم، وهي ممارسة تشبه في حقيقتها طقوس السحر والشعوذة، بل تدّعي الريكي كذلك القدرة على إرسال “طاقة الشفاء” إلى شخص بعيد جغرافيًا، بل وحتى إلى أحداث في الماضي والمستقبل، وهي ادعاءات تكشف الطبيعة السحرية الباطنية للريكي.

رابعاً: المصداقية العلمية للريكي

رغم الانتشار الواسع للريكي، فإن مصدقيتها العلمية موضع جدل حقيقي في المجتمع الطبي والعلمي، فـ”الطاقة الكونية” التي تدّعي الريكي نقلها عبر اليدين لم تُثبت علميًا قط، ولا يوجد جهاز قياس واحد يمكنه رصد هذه “الطاقة”، وقد أعلنت المؤسسة الوطنية للطب التكميلي والمندمج (NCCIH) في الولايات المتحدة صراحة عن غياب الأدلة العلمية القوية التي تدعم فوائد الريكي الصحية، وعن التشكيك في وجود حقل الطاقة المزعوم الذي تعتمد عليه هذه الممارسة.

أما فيما يخص الدراسات الطبية التي أُجريت حول الريكي، فهي كثيرًا ما تعاني من قيود منهجية كبيرة كصغر حجم العينة والتحيز في التقييم وعدم التحكم الجيد في تأثير الدواء الوهمي، فقد أجرت مراجعة منهجية نُشرت في مجلة “International Journal of Clinical Practice” عام 2008م فحصت 9 دراسات عشوائية خلصت إلى أن “الأدلة غير كافية لاقتراح أن الريكي علاج فعال لأي حالة مرضية، وأن قيمته تبقى مجهولة”، كما أن مراجعة أخرى نُشرت في مجلة “Holistic Nursing Practice”  أشارت إلى أن البحوث التجريبية حول الريكي لا تزال شحيحة وغير كافية لإثبات فعاليتها.

وقد يكون تفسير التحسن الذي يشعر به بعض من يتلقون جلسات الريكي يمكن تفسيره بعوامل أخرى كتأثير الدواء الوهمي  (Placebo Effect)، والاسترخاء الذي يتوفر في بيئة الجلسة، والاهتمام والرعاية التي يحظى بها المريض من المعالج، والشفاء الطبيعي التلقائي لكثير من الأمراض، وحتى المراكز التي تقدم الريكي فإنها تُقدّمه كـ”علاج تكميلي” فقط وليس بديلًا عن الطب التقليدي.

خامساً: الإشكالات العقدية عند المسلمين

أصدر علماء مسلمون متخصصون في العقيدة والمذاهب المعاصرة فتاوى وتحذيرات صريحة من الريكي وغيرها من “علوم الطاقة”، فقد كشفت الدكتورة هيفاء الرشيد في كتابها “حركة العصر الجديد” الجذور الباطنية والوثنية للريكي كجزء من منظومة فكرية أوسع، والدكتورة فوز كردي، أستاذة العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الملك عبد العزيز، لها كتب وردود علمية متعددة على حركة العصر الجديد وعلوم الطاقة، والدكتورة ثريا السيف في كتابها “الأصول الفلسفية لتطوير الذات في التنمية البشرية” حللت الجذور الفلسفية والعقدية المنحرفة لكثير من البرامج المعاصرة التي تتبنى مفاهيم العصر الجديد كالريكي وغيرها، بالإضافة إلى أستاذ العقيدة المشارك في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور أيمن العنقري حيث ذكر في مقاطع كثيرة وفي وسائل التواصل الاجتماعي الريكي وعلوم الطاقة زيفها وخطرها على الدين والمعتقد، وكذلك الدكتور عبدالرحمن الهاشمي والدكتور هثيم طلعت والدكتور سلطان الشهري والدكتور أحمد الحربي والدكتورة سارة محمد وغيرهم من المتخصصين في الرد حركة العصر الجديد والطاقة الكونية والوعي.

والإشكالات العقدية التي تطرحها الريكي على المسلمين تتعدد وجوهها: فهي أولًا تتضمن شركًا بالله تعالى، من خلال الاعتقاد بوجود “طاقة كونية ذكية” لها قدرة على الشفاء بذاتها، وهذا يتعارض مع توحيد الربوبية، فالشافي هو الله وحده كما قال تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]. وتعليق الشفاء على هذه “الطاقة” الوهمية والتوجه إليها بالدعاء والتوسل هو شرك أكبر.

كما أن ممارسي الريكي يزعمون القدرة على “رؤية الهالات” وتشخيص الأمراض والوصول إلى أمور غيبية عبر “الحدس” والتواصل مع كائنات غيبية، وهذا يدخل في باب الكهانة والعرافة المحرّمة شرعًا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «مَن أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزِل على محمد ﷺ» رواه أحمد  وأبو داود وصححه الألباني، وقال: “مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً” (رواه مسلم).

وكذلك فإن “الدوزنة” والممارسات الطقوسية والاستعانة بـ”الطاقة الكونية” أو “الكائنات النورانية”، كلها تدخل في باب الاستعانة بغير الله، وهو من الشرك الأكبر. قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. فضلًا عن أن الريكي مستمدة بالكامل من البوذية والهندوسية والطاوية وهي ديانات لا تؤمن بالله الواحد الأحد، والتشبه بالكفار في عباداتهم وطقوسهم محرّم بل قد يصل إلى الكفر، كما أن التأمل العميق والدخول في حالات ذهنية متغيرة والاستعانة بكائنات غيبية كلها ممارسات قد تفتح بابًا للمس الشيطاني والاستحواذ الروحي، وأخيرًا فإن الريكي تصرف الناس عن الأسباب الشرعية للشفاء كالرقية الشرعية والدعاء والأذكار، وعن الأسباب الحسية كالتداوي بالأدوية المثبتة والذهاب للأطباء.

الخاتمة

الريكي ليست مجرد “تقنية علاجية” بريئة كما يحاول المروجون لها أن يصوروها، بل هي ممارسة روحانية سحرية ذات جذور وثنية عميقة تتعارض مع العقيدة الإسلامية من وجوه متعددة، ولا يوجد دليل علمي موثوق على فعاليتها، والتحسن الذي يشعر به بعض المرضى يمكن تفسيره بعوامل نفسية لا بـ”طاقة كونية” موهومة.

على المسلم أن يحذر من الانجراف وراء هذه الممارسات التي تُروّج تحت مسميات “علمية” أو “تطويرية” براقة، وأن يلتزم بما شرعه الله له من أسباب الشفاء الحسية والشرعية، كالرقية بالقرآن الكريم والأدعية المأثورة والتداوي بالأدوية المثبتة والمشروعة.

وعلى الدعاة والعلماء مسؤولية كبيرة في التوعية بمخاطر هذه الممارسات وكشف حقيقتها الباطنية والوثنية، وتوجيه الناس إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. نسأل الله العافية والسلامة في الدين والدنيا، وأن يحفظنا من كل ضلالة وفتنة.

مشرف منصة وعي

اترك ردا