وعي

منصة للتصدي للفكر الدخيل

تم بحمد الله الافتتاح في مايو 2025م
الإلحاد الروحي الطاقة الكونية المشرف المقالات

اليوغا Yoga

بين الجذور الدينية الشرقية والتسويق الصحي المعاصر

المقدمة

في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بالصحة النفسية والجسدية، وانتشار ثقافة “العافية” (Wellness) على نطاق واسع، برزت اليوغا بوصفها واحدة من أكثر الممارسات رواجاً في العالم، تُقدَّم اليوم في النوادي الرياضية، والمراكز الصحية، وبرامج التنمية الذاتية، وحتى في بعض المؤسسات الطبية، على أنها تمارين جسدية للاسترخاء وتحسين المرونة وتخفيف التوتر والقلق، وغالباً ما يُفصَل خطابها التسويقي المعاصر عن جذورها الدينية والفلسفية، مما يجعل كثيراً من الناس، ومنهم مسلمون، يُقبلون عليها دون وعيٍ بحقيقتها الكاملة ولا بالمنظومة الفكرية التي تنتمي إليها.

غير أن النظر المتأني في اليوغا، بعيداً عن الصورة التسويقية المصقولة، يكشف عن منظومة دينية وفلسفية عميقة الجذور، نشأت في رحم الديانات الهندية القديمة، وتشرّبت عقائدها ورموزها وطقوسها، ثم أُعيد تغليفها في العصر الحديث بلغة تبدو علمية وحيادية، وكما تؤكد الدراسات العقدية المعاصرة، فإن اليوغا “ليست علماً وإنما طقس وثني بحت”، مهما غُلِّفت بمصطلحات حداثية.

يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة شاملة ومتوازنة لليوغا، تبدأ بعرضها في سياقها التاريخي والفكري، ثم تفكّكها عقدياً وعلمياً بالاعتماد على المصادر الأصلية والدراسات الأكاديمية المتخصصة، وتبيّن الإشكالات التي تطرحها أمام المسلم، مع الإشارة إلى البدائل المشروعة والنافعة، بمنهجية واعية مسؤولة بعيدة عن التهوين أو التهويل.

أولاً: ما هي اليوغا؟ المعنى والجذور اللغوية

كلمة “يوغا” (Yoga) كلمة سنسكريتية قديمة، مشتقة من الجذر “يوج” (Yuj)، الذي يعني “التوحيد، دلالة على توحُّد الذات الفردية بالذات الكونية”. وهذا المعنى ليس عَرَضياً ولا مجازياً، بل يعكس جوهر اليوغا الفلسفي والديني؛ إذ إن المقصود بالاتحاد هنا هو اتحاد الروح الفردية (الآتمان) بالروح الكونية أو المطلق الإلهي (البراهمان)، وهو تصوّر ديني وثني يتجذّر في صميم الهندوسية.

وتُعدّ اليوغا “من أقدم تعاليم الديانات الهندية، وفيها يقوم الإنسان بممارسة مجموعة من التمارين الروحية والجسدية بهدف الخروج من عالم الظواهر والتعددية إلى الوحدة المطلقة والذوبان فيها”، فاليوغا لم تُنشأ ابتداءً كرياضة أو نشاط بدني، بل كطريق روحي لتحقيق الاتحاد مع القوة العظمى، والتحرر من دورة الولادة والموت المتكررة أي تناسخ الأرواح (سامسارا). واليوغي – بحسب تلك الديانات – هو شخص وصل إلى مرحلة السمو والإشراق، واكتسب قدرات خارقة استمدها من معرفته بحقيقة نفسه الإلهية.

في معناها الاصطلاحي التقليدي، اليوغا منظومة متكاملة تجمع بين الأوضاع الجسدية (الآسانات – Asanas)، وتمارين التنفّس (البراناياما – Pranayama)، والتأمل (ديانا – Dhyana)، والانضباط السلوكي والروحي، أما التمارين الجسدية التي يعرفها الناس اليوم فهي في الأصل جزء صغير من منظومة أوسع بكثير ذات أبعاد عقدية واضحة.

ثانياً: النشأة الدينية والتاريخية لليوغا

تُعتبر اليوغا من أقدم التعاليم الهندية التي تم تناقلها شفهياً عبر الأجيال، نشأت في شبه القارة الهندية ضمن السياق الديني للهندوسية، ثم تطورت داخل مدارس فلسفية متعددة كالسامكهيا (Samkhya) والفيدانتا (Vedanta)، وتأثرت لاحقاً بالبوذية والجاينية، وقد استقت أساسياتها من الكتب الهندوسية المقدسة.

وأقدم الإشارات إليها موجودة في نصوص “الفيدا” و“الأوبانيشاد”، حيث تُطرح اليوغا كطريق للوصول إلى “الحقيقة المطلقة” والتحرر الروحي، ثم جاء كتاب “يوغا سوترا” المنسوب إلى الحكيم الهندوسي باتانجالي (قبل 2400 سنة تقريباً)، وقد كان “الهدف من اليوغا سوترا هو إعطاء درس كامل في اليوغا”، أي شرح كيفية الوصول إلى حالة السمادهي (Samadhi)، وهي حالة من الوعي يُزعم فيها أن الإنسان يتجاوز حدود ذاته الفردية ويذوب في الوعي الكوني.

وقد تبلورت اليوغا كذلك في نصوص أخرى مثل “البهاغافاد غيتا” (Bhagavad Gita)، حيث ذُكرت اليوغا – بأنواعها – في عدة مواضع، والسادس المعنون بـ: “الاتحاد بالله ورياضة الروح، أو الاتحاد عبر التأمل”، وقد جاء فيها نصوص صريحة في وصف مفهوم الاتحاد بين الإنسان والمطلق، منها: “من فنا في اليوغا رأى نفسه في جميع الموجودات ورأى الوجود جميعاً في نفسه، وحمل كل شيء محملاً واحداً”.

وترتبط اليوغا بأسطورة خرافية ذات دلالات اعتقادية ظاهرة؛ تحكي الأسطورة بأن الإله سيفا كان يتحدث مع زوجته بجانب نهر يحكي لها أسرار اليوغا العجيبة، فاسترقت سمكة في النهر السمع وتحولت من خلال اليوغا إلى إنسان، وتحمل هذه الأسطورة إشارة قوية إلى هدف اليوغا في التحول والتجديد والتطور الدارويني.

ثالثاً: المفاهيم العقدية المحورية في اليوغا

اليوغا ليست مجرد حركات وتمارين، بل تقوم على مجموعة من المفاهيم العقدية التي تشكّل هيكلها الفكري بالكامل:

١. وحدة الوجود – الفكرة المركزية

تهدف اليوغا – كما هو ظاهر من تعريفها – إلى الاتحاد وإدراك وحدة الوجود، والاتحاد هو وسيلة الخلاص في كثير من الديانات الشرقية، فاليوغا هي الوسيلة العملية لتحرر الروح الفردية (أتمان) من الولادات المتكررة المفروضة عليه بسبب الكارما، فلا يعود جزءاً من هذا العالم لأنه عاد إلى الكينونة المطلقة (البراهمان)، وعند الوصول يصبح الإنسان – بزعمهم – بشراً يمثل ذاته الفردية، بل إنه يصبح متحداً بالإله متجاوزاً حدود الزمان والمكان.

يقول سوامي فشنو ديفاناندا موضحاً حقيقة الإله في اليوغا: “عندما يُعرف الله لا يعود الله”، “فيبقى دائماً غير المعروف الذي لا تحيطه العقول”، فمفهوم الإله عند اليوغي كيان مطلق لا شخصي يختلف تماماً عن المعنى التقليدي في الديانات السماوية، ولذلك فإن هذا التصور يهدم الحاجز الأساسي بين الخالق والمخلوق، ويتعارض مع أصل التوحيد: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ” [الشورى: 11].

٢. البرانا (Prana) – الطاقة الكونية

تشكّل الطاقة الكونية (البرانا) أهمية كبرى في قضية الاستشفاء عند اليوغا، يُزعم أنها تملأ الكون وتسري في جسد الإنسان عبر قنوات غير مرئية تُسمّى “نادي” (Nadi). وتمارين التنفّس (البراناياما) ليست مجرد تنظيم للنَّفَس بالمعنى الفسيولوجي، بل يُراد بها التحكّم في تدفّق هذه الطاقة المزعومة وتوجيهها. ويُدّعى أن اليوغي المعالج يضع يده على موضع الألم من جسد المريض، ويتخيل أن البرانا تفيض من يديه إلى ذلك الموضع فيتم الشفاء التام. بل يدّعي محترفو اليوغا تمكّن اليوغي من شفاء المريض الذي يبعد عنه مسافات كبيرة، من خلال توجيه البرانا إليه عن بُعد، وهذا ما يشبه ممارسات الريكي.

٣. الشاكرات (Chakras) – مراكز الطاقة

يُعتقد أن في جسد الإنسان سبعة مراكز طاقة رئيسية تُسمّى “الشاكرات”، تمتد من أسفل العمود الفقري إلى قمة الرأس، ويُفسّر أتباع اليوغا زوال الأعراض المرضية وفقاً لفلسفات الطاقة الباطنية، فهي تعمل على تنشيط سريان الطاقة في مساراتها، كما تعمل على فتح الشاكرات المستقبلة للطاقة مما يعزز قدرة الجسد الذاتية على الشفاء، والحقيقة أن هذه المراكز لا وجود لها في علم التشريح أو الطب أو الفيزياء، ولم يرصدها أيّ جهاز علمي، بل هي رموز دينية وفلسفية هندوسية.

٤. الكارما والتناسخ

تقوم فلسفة اليوغا على قانون الكارما (Karma)، أي أن أفعال الإنسان في حياته الحالية والحيوات السابقة تُحدّد مصيره، واليوغا تُقدَّم كطريق لتنقية هذه الكارما والتحرّر من دورة الولادة والموت المتكررة (سامسارا)، وهذا التصور يتناقض جذرياً مع مفهوم القضاء والقدر في الإسلام، حيث يؤمن المسلم بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن البلاء قد يكون تكفيراً أو رفعة، وأن الحياة واحدة يعقبها حساب.

٥. الكوندالايني (Kundalini)

وهي طاقة يُزعم أنها كامنة في أسفل العمود الفقري، وأن ممارسات اليوغا المتقدمة تهدف إلى “إيقاظها”، وقد وُصف إيقاظ الكوندالايني في كتاب الحكمة الهندوسية بأنه يقوم على “إيقاظ الطاقة بواسطة أساليب يوغية تركز على حبس النفس والتركيز على المراقبة الروحية وترديد الصيغ البذرية للآلهة” حتى يحصل الاتحاد الصوفي بين مبدأي الذكر والأنثى الكونيين، وهذا المفهوم يرتبط ارتباطاً مباشراً بالطقوس الهندوسية ورموزها، ولا أساس له في العلم التجريبي.

٦. سقوط التكاليف عند الوصول

من أخطر المفاهيم العقدية في اليوغا أنها تفضي إلى إسقاط التكاليف الشرعية والعبادات؛ فبزعمهم أن غاية اليوغا الاتحاد بين الذات والإله، وعند تحقق ذلك لا يحتاج الممارس لأي شيء من العبادات التي كان يؤديها سابقاً! يقول صاحب كتاب “فلسفة اليوغا”: “إن اليوغي الذي يصل إلى حقيقة الذات فعلاً لا يحتاج إلى المظاهر الشكلية كتأدية الصلاة في المواعيد المقررة، وقراءة الأساطير الدينية وغيرها لأنها بالنسبة له ليست إلا كحوض للماء”، فهو يزعم أن كل ما في الوجود هو الله، وأما الباقي فهو وجود غير حقيقي أو وهمي، وهذا يُشبه ما ذهب إليه غلاة الصوفية من القول بوحدة الوجود وإسقاط التكاليف.

رابعاً: طرق اليوغا ومساراتها

لليوغا طرق متنوعة لكن هدفها واحد وهو الاتحاد بين الإنسان وخالقه – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً – وتتناسب مع ميولهم المتنوعة بينما تتفق في الغاية والهدف، وهذه الطرق هي:

١. بهاكتي يوغا (Bhakti Yoga): طريق الحب والتفاني، وهو ما يسمى بالعشق الإلهي.

٢. نيانا يوغا (Jnana Yoga): طريق الحكمة والمعرفة المحضة، أو طريق الفلاسفة.

٣. كارما يوغا (Karma Yoga): طريق العمل، وهي القيام بالعمل دون البحث عن المنفعة الشخصية.

٤. راجا يوغا (Raja Yoga): طريق الفكر والسيطرة على العقل، وهي التي تعنينا في هذا المقال لشيوعها وسعة انتشارها بين أتباع حركة العصر الجديد، وتتفرع إلى ثلاثة فروع:

   أ. مانترا يوغا (Mantra Yoga): طريق الصوت، تعتمد على ترديد ألفاظ ومقاطع مقدسة أشهرها (أوم) بأسماء الآلهة بهدف رفع الطاقة من مركز إلى آخر إلى أن يتم الاتحاد ويذوب الفردي بالكوني.

   ب. كوندالايني يوغا (Kundalini Yoga): تهدف إلى إيقاظ الطاقة الراقدة في أسفل العمود الفقري وتسييرها عبر الشاكرات.

   ج. هاثا يوغا (Hatha Yoga): أو يوغا الجسد، وهي أكثر الفروع رواجاً في الغرب والعالم العربي تبعاً له، وهي المقصودة عند إطلاق لفظ اليوغا في الغالب، وكلمة (هاثا) تعني: الطاقة الموجبة والسالبة في الكون، أي طريق الشمس والقمر.

وليس بين الطرق الأربع – بفروعها – تعارض، فهي سبل متنوعة لمؤدًّى واحد، كلها تهدف للاتحاد بين النفس الفردية والنفس الكونية، ولذلك لا يمكن فصلها عن بعض، ومن سلك أحد طرق اليوغا فكأنما سلكها جميعاً.

خامساً: المراحل الثمانية لليوغا

يتدرج التلميذ في ثمان مراحل حتى يصل إلى الهدف الأعلى لليوغا، وهي كالتالي:

١. التحفظات الأخلاقية (Yamas): وتتمثل في خمسة مبادئ: اللاعنف (الامتناع عن قتل أي كائن حي، ولذلك يعتمد اليوغي نظاماً غذائياً نباتياً)، والصدق، وترك السرقة، والتبتل (تحويل الطاقة الجسدية إلى طاقة روحية)، وعدم التمسك بالملك.

٢. الالتزامات الخاصة (Niyamas): بتنظيف الجسد من الداخل والخارج بطرق فيها تنطّع ظاهر.

٣. الأوضاع الجسدية (Asanas): يتخذ اليوغي من خلالها وضعيات جسدية محددة يُفنى فيها الجسد ويُفنى عن وجوده.

٤. السيطرة على التنفّس (Pranayama): وتظهر العلاقة بين ضبط النَّفَس وتحقيق السمادهي، فالتنفس مرتبط بالعمليات الفكرية، وعند إيقاف التنفس تنعدم الفردية وتتحقق الوحدة.

٥. تعطيل الحواس (Pratyahara): حيث يُعتقد أن الحواس هي المحرك الرئيس للفكر، وتعطيلها يسكن الفكر ويتحول التركيز على الداخل.

٦. التركيز (Dharana): بالتركيز على نقطة واحدة لفترة مطولة، يقصد منه اعتياد الفكر على المدوء وتهيئته للغرض الأكبر من اليوغا، وكثيراً ما يكون التركيز عن طريق التأمل بالشاكرات مع ترديد المانترا الخاصة بكل شاكرا ذهنياً.

٧. التأمل العميق (Dhyana): بحيث يكون المريد مجرد شاهد على ما يجري حوله، فهو لا يفعل شيئاً ولا يبذل جهوداً.

٨. الاستغراق العميق – السمادهي (Samadhi): وهي غاية اليوغا وذروتها، حالة من الوعي يذوب فيها المريد بالمطلق، فيحصل الانعتاق المحرّر من حدود الزمان والمكان وتندمج الذات الفردية بالذات الكونية أو الإله.

سادساً: الأوضاع الجسدية وتحية الشمس

إن قضية الاعتناء بالجسد في الهاثا يوغا ليست اعترافاً بأن الجسد جزء من الذات أصلاً، بل إن ذلك الاهتمام ليس سوى وسيلة لبلوغ الهدف الأسمى وأداة لتحقيق التحرر الكامل، والجسدية عديمة القيمة إلا بمقدار ما تساهم به في إعطاء الفكر كامل طاقته.

يمكن تصنيف الأوضاع المتضمنة في الهاثا يوغا إلى أصناف ثلاثة: أوضاع تشبه أوضاع بعض الحيوانات وتسمى بأسمائها كوضعية الكلب والقط والبقرة والأسد والسمكة، وأوضاع يستخدمها الهندوس في عباداتهم وتأملاتهم التعبدية كوضعية اللوتس ومودرا أوم ووضعية الشجرة، والصنف الأخير لا تنتمي لأي من القسمين السابقين فلا يظهر منها سوى كونها تمارين جسدية.

ومن أهم الأوضاع الجسدية في اليوغا ما يسمى بتحية الشمس (Surya Namaskar)، وهو عبارة عن وضعية مركبة من حركات متعددة للشمس بثمانية أعضاء، يقول سوامي فشنو ديفاناندا: “يُدعى هذا التمرين: تحية الشمس؛ لأنه يُمارَس في الصباح الباكر باتجاه الشمس، حيث تعتبر الشمس مصدراً للصحة والمحبة، وكان هذا التمرين يطبق يومياً في العصور القديمة مع مجمل الطقوس الدينية، وكانت تجري ممارسته 12 مرة يومياً على الأقل مع تلاوة اثني عشر اسماً لإله الشمس”.

ومع ذلك، يجادل بعضهم بأن هذه التحية ليست من جنس العبادات الوثنية، فهي ليست سوى تأمل للشمس المعنوية التي هي – في الواقع – الإله المعبود أو المُعتقَد، كما أن الشمس تعتبر رمزاً للضوء الإلهي الذي انبثق منه الإنسان المُعتقَد، ويحاول جاهداً الدنو منه، وفي كلتا الحالتين لا تخرج تحية الشمس عن كونها ممارسة وثنية باطلة.

سابعاً: كيف أُعيد تغليف اليوغا للعالم المعاصر؟

في أواخر القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، عمل عدد من المعلّمين الهندوس البارزين – أمثال سوامي فيفيكاناندا (Swami Vivekananda) وبارامهانسا يوغاناندا (Paramahansa Yogananda) وسوامي فشنو ديفاناندا – على نقل اليوغا إلى الغرب، لكنهم أدركوا أن تقديمها بصورتها الدينية الصريحة لن يلقى قبولاً واسعاً، فبدأت عملية إعادة صياغة ممنهجة: خُفِّف الخطاب الديني المباشر، واستُبدلت المصطلحات الهندوسية بمصطلحات تبدو علمية أو نفسية أو صحية.

وقد انتشرت تعاليم اليوغا بين عامة الناس على اختلاف دياناتهم في العصر الحديث عندما قُدِّمت في مراكز الطب البديل والنوادي الصحية في العالم العربي والإسلامي على أنها مجرد تمارين رياضية للرشاقة والصحة ذات مستويات متعددة، وكلما انتظم المتدربون في جلسات اليوغا وارتقوا في مستويات التدريب العليا اقتربوا تدريجياً من فهم مبادئ اليوغا الفلسفية وأصبحت جزءاً من حياتهم اليومية.

ومع صعود صناعة “العافية” (Wellness Industry) التي تُقدَّر بمئات المليارات سنوياً، ارتبطت اليوغا بمنتجات تجارية ضخمة، وهذا البُعد التجاري أضاف حافزاً مالياً قوياً لاستمرار التسويق لليوغا وإبعادها عن صورتها الدينية الحقيقية، والمفارقة أن كثيراً من كبار معلّمي اليوغا أنفسهم لا يُخفون هذه الحقيقة، فقد صرّح عدد منهم بأنه لا يمكن فصل اليوغا عن جذورها الروحية.

ويزعم كثير من رواد اليوغا في الغرب وفي العالم العربي أنها لا تحمل في طياتها أي معتقد فهي حالة روحية لا يلزم معها اعتقاد، وأنها لا تتناقض مع أي دين، ولا تختص به! وهذا ربما يصح مع الطوائف الباطنية للديانات المختلفة حيث يتفق الجميع في الاعتقاد بالاتحاد ووحدة الوجود وما يترتب عليه من لوازم، أما كونه لا يتعلق بأي دين مفرود بالمصادر الهندوسية التي استقيت منها تعاليم اليوغا، وهي متمشية مع أبرز معتقداتها ومبادئها.

ثامناً: اليوغا وحركة العصر الجديد

تشكّل اليوغا ركيزة أساسية في ما يُعرف بحركة “العصر الجديد” (New Age Movement)، وهي حركة فكرية باطنية معاصرة تسعى إلى إعادة صياغة المعتقدات الدينية الشرقية والغنوصية في قالب حداثي جذاب، وتُعدّ اليوغا إحدى المدارس الست للفلسفة الهندوسية، وتعتبر وسيلة مركزية لتحقيق السمو الروحي في البوذية والجينية كذلك، وقد استمدت أساسياتها من الكتب الهندوسية المقدسة، وأصبحت عَلَماً على حركة العصر الجديد.

وتتقاطع اليوغا في هذا الإطار مع ممارسات أخرى تنتمي إلى المنظومة نفسها، كالريكي، والتأمل التجاوزي (Transcendental Meditation)، وعلوم الطاقة المزعومة، وقانون الجذب، وهذا الفصل الشكلي بين الممارسة وأصلها الديني هو ما يجعل كثيراً من الناس يظنون أنهم أمام نشاط صحي محايد.

وتتضمن برامج اليوغا التدريبية والاستشفائية نظاماً غذائياً يشبه نظام الماكروبيوتيك، ويعتمد بشكل كبير على تناول النباتات والحبوب، مع التركيز والاستغراق في عملية مضغ الطعام، واعتبارها حركة رتيبة مهمة تهدف للتقليل من كمية الطعام المتناول مع التأمل الفكري والتركيز.

تاسعاً: اليوغا في ميزان العلم

من أكثر الحجج التي يُروَّج بها لليوغا أنها “مثبتة علمياً”، والحقيقة أن هذا الادعاء يحتاج إلى تدقيق جاد:

أ. المفاهيم الأساسية: لا دليل عليها

لا يوجد أيّ دليل علمي تجريبي على وجود “البرانا” أو “الشاكرات” أو قنوات الطاقة أو “الكوندالايني” في جسم الإنسان، لم يتمكّن أيّ جهاز قياس علمي من رصد هذه الطاقة المزعومة، هذه المفاهيم تنتمي بالكامل إلى الميتافيزيقا الفلسفية لا إلى العلم.

ب. الفوائد البدنية: مبالغ فيها وليست حصرية

أما من ناحية الفوائد البدنية المزعومة، فمن باب الإنصاف، فإنه قد يوجد بعض الفوائد الصحية لشيء من الممارسات اليوغية، إلا أنها لا تتعلق بالطاقة، ولا بالممارسات، بل يمكن تفسيرها علمياً وربطها بأسبابها الحقيقية: كتنشيط الدورة الدموية من خلال الحركة اللازمة لاتخاذ الأوضاع الجسدية، وتحفيز عمل الدماغ، وزيادة سعة الرئتين من خلال تمارين التنفّس وحبس النفَس، وزيادة مرونة المفاصل والعمود الفقري.

وجميع ما سبق ليس خاصاً باليوغا، بل يمكن تحقيقه من خلال ممارسة أي نوع من أنواع التمارين الرياضية المشابهة، وأما اليوغا اللاجسدية فغالباً ما يُستخدم هذا النوع في علاج الأعراض الناتجة عن الضغوط، نظراً لأنها تصرف الذهن عن مصادر القلق، ولأنها تعتبر وسيلة للاسترخاء، ولا شك أن ما كان سببه الضغط والإجهاد كان من علاجه الراحة والاسترخاء، وكما ذُكر آنفاً، ليس هذا خاصاً بتأمل اليوغا، بل ما يمكن تحقيقه باليوغا يمكن تحقيقه بأي تمرين آخر يساعد على الاسترخاء.

ومع ذلك، يرى بعض الأطباء أن “للتأمل” أعراضاً جانبية ضارة، منها الإرباك والتشوش الذهني وفقدان الحس بالمكان والزمان، بالإضافة إلى ضعف الإحساس بالواقع.

عاشراً: الإشكالات العقدية لليوغا عند المسلمين

يظهر عند التحقيق أن ممارسة اليوغا محرمة شرعاً من عدة وجوه، منها:

١. أنها عبادة شرقية وثنية: تهدف إلى تحقيق الوحدة بـ“الإله” أو الكلي، فالهدف من اليوغا – كما هو ظاهر من تعريفها – هو الاتحاد وإدراك وحدة الوجود، والاتحاد هو وسيلة الخلاص عند المعتقدين بتناسخ الأرواح من أتباع حركة العصر الجديد والديانات الشرقية.

٢. التشبّه بالكفار في عباداتهم: الجانب الجسدي منها متميز، فيه مشابهة للكفار فيما هو من خصائص دينهم وعباداتهم، وكثير من الأوضاع في أصلها حركات تعبّدية ارتبطت بعبادة آلهة هندوسية بعينها.

٣. وسيلة للتشرّب العقدي التدريجي: اليوغا وسيلة إلى تبني الأساليب “الروحانية” الشرقية والفلسفات الإشراقية النظرية، يبدأ الإنسان بتمارين تمدّد، ثم ينتقل إلى التنفّس “الواعي”، ثم التأمل، ثم مفاهيم الطاقة والشاكرات، وقبل أن يشعر يجد نفسه يتبنّى رؤية كونية بعيدة عن التوحيد.

٤. مخالفة التوحيد: اليوغا تقوم على الإيمان بطاقة كونية فاعلة بذاتها، يُستمدّ منها الشفاء والتوازن، وهذا يتعارض مع توحيد الربوبية، فالمسلم يؤمن بأن الله وحده هو الخالق الرازق المدبّر الشافي. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: “اللّهمّ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ”.

٥. الاستعانة بغير الله: التأملات التي تهدف إلى الاتصال بـ“الوعي الكوني” هي في حقيقتها توجّه بالقلب إلى غير الله، والمسلم يتوجّه في دعائه إلى الله وحده: “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” [الفاتحة: 5].

٦. فتح باب التلبيس الروحي: الدخول في حالات ذهنية متغيّرة عبر التأمل العميق وترديد المانترا وإفراغ الذهن يفتح باب الوساوس والتأثّر الروحي السلبي والتلبيس الشيطاني، وهذا واقع مشاهد.

٧. الصرف عن أسباب الطمأنينة المشروعة: من أخطر آثار اليوغا أنها تصرف الإنسان عن ذكر الله والصلاة والدعاء، وتستبدلها بمنظومة بديلة لا سند لها في الوحي.

وعند محاولة تجريد اليوغا من اسمها ومصطلحاتها وغاياتها وأوضاعها المتميزة – إن أمكن ذلك – لا يبقى سوى أوضاع رياضية مكررة توجد في غيرها من رياضات التمدد والاسترخاء، وفي الحلال غنية عن المشتبه والمحرم ومايوصل للكفر والشرك.

الحادي عشر: التمييز بين الرياضة البدنية واليوغا

من الإنصاف والدقة أن نقول إن كل حركة تمدّد أو تنفّس ليست يوغا بالضرورة، فالتمارين البدنية الخالصة التي تهدف إلى تحسين المرونة وتقوية العضلات وتنظيم التنفّس مباحة في أصلها ومطلوبة صحياً، ما دامت مجرّدة تماماً من المصطلحات العقدية والرموز الدينية.

لكنّ المشكلة تكمن في أن كثيراً من الصفوف التي تُسمّى “يوغا” اليوم لا تقف عند الحدّ الجسدي المحض، وكما أكدت الدراسات: إن الهاثا يوغا والراجا يوغا – خاصة – وجهان لعملة واحدة، ومن سلك أحد طرق اليوغا فكأنما سلكها جميعاً، فالأوضاع الجسدية المعتمدة في الهاثا يوغا تُتَّخذ كتمرين للجسد وإعداد له لمرحلة التأمل.

الثاني عشر: البدائل المشروعة والنافعة

الإسلام لا يقف حجر عثرة أمام العناية بالصحة الجسدية والنفسية، بل يحثّ عليها، والمسلم يملك من الوسائل ما يُغنيه:

الطمأنينة النفسية: يملك المسلم كنزاً عظيماً في ذكر الله والصلاة والدعاء وتلاوة القرآن، قال تعالى: “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” [الرعد: 28]، والصلاة الخاشعة جمعت بين الحركة الجسدية المنتظمة والتوجّه القلبي إلى الخالق.

اللياقة البدنية: تمارين التمدّد والمرونة والمشي والسباحة كلها متاحة ومباحة ولا تحمل أيّ شبهة عقدية،  فالفوائد البدنية الحقيقية ليست حكراً على اليوغا.

العلاج الطبي الموثوق: من يعاني من مشكلات نفسية أو جسدية فإن العلاج الطبي المبني على الأدلة هو الطريق الصحيح، مع الأخذ بالأسباب الشرعية من الدعاء والرقية.

إن غاية ما يستدل به أتباع حركة العصر الجديد على الطرق العلاجية التي يتبنونها وملاءمتها لبعض النتائج عند ممارستها هو ثبوت نفعها عندهم، وإن عُذِر بقوله من لا يحكمه عقل ولا دين، فإنه لم يقبله عقلاء المسلمين، فالشرع قد جعل الأسباب نوعين: أسباباً شرعية، وأسباباً كونية مما عُرف بالتجربة الصحيحة والعلم التجريبي الحديث.

الخاتمة

اليوغا ليست مجرد رياضة بريئة كما يُراد لها أن تبدو، بل هي منظومة دينية وفلسفية متكاملة نشأت في أحضان الهندوسية، وتشرّبت عقائدها ومفاهيمها ورموزها، ثم أُعيد تسويقها بلغة صحية عصرية، ادعاءاتها العلمية مبالغ فيها ولا تصمد أمام التدقيق المنهجي، ومفاهيمها الأساسية لا سند لها في العلم التجريبي، وجذورها العقدية تتعارض مع أصول التوحيد.

إن اليوغا والتأمل عبادتان مترابطتان، وكثير ما يصاحب اليوغا تأمل، كما أن جلسة اليوغا وأوضاعها تساعد على التأمل، ومن المؤسف أن اليوغا انتشرت كثيراً في بلاد المسلمين وتساهل في ممارستها كثير من المسلمين حتى دخلت مدارس الناشئة ورياض الأطفال!

وليس المطلوب من المسلم أن يرفض كل جديد أو يتوجّس من كل ممارسة، بل أن يكون واعياً بما يُعرض عليه، فيأخذ النافع المباح ويدع ما فيه شبهة، فمن عرف ربّه واطمأنّ بذكره وأحسن التوكّل عليه، لم يحتج أن يبحث عن السكينة في فلسفات لا تعرف خالقها، مهما تلوّنت بألوان عصرية جذابة.

إنّ حماية العقيدة ليست ترفاً فكرياً ولا تشدّداً دينياً، بل ضرورة إيمانية، والوعي بحقيقة هذه الممارسات مسؤولية مشتركة بين العلماء والمثقفين والمؤسسات التعليمية والإعلامية. وختاماً: “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”.

مشرف منصة وعي

اترك ردا