وعي

منصة للتصدي للفكر الدخيل

تم بحمد الله الافتتاح في مايو 2025م
الإلحاد الروحي الطاقة الكونية المشرف المقالات

الماكروبيوتيك Macrobiotic

بين الجذور الفلسفية الشرقية والتسويق الصحي المعاصر .. وبين وهم الانسجام الكوني وحقيقة التوحيد

المقدمة

لا تنتهي حيل إبليس، ولا تتوقف مخططاته في صرف بني آدم عن ربهم بشتى الطرق والأساليب؛ فبعد أن فشلت الدعوة السافرة إلى الشرك في المجتمعات التي وصلها النور، تبدّل الأسلوب، وتلطّفت الوسيلة، حتى صار الباطل يأتي في ثوب “الصحة” و”الانسجام مع الطبيعة” و”الوعي الأعلى”، ومن أبرز هذه الأوعية الجديدة التي تنقل الفلسفات الوثنية الشرقية إلى المجتمعات المسلمة في لباسٍ صحيٍّ وعلمي: نظام الماكروبيوتيك.

يُقدَّم هذا النظام في مراكز الصحة الطبيعية والبرامج التدريبية على أنه نمط غذائي متوازن للشفاء والوقاية، وكثيرًا ما يُسوَّق إلى المسلمين بادعاء أنه “لا علاقة له بأي دين”، أو أنه “موافق لتعاليم الإسلام في الاعتدال والطعام الطيب”، بيد أن النظر المتأني في أصوله وكتبه ومؤسسيه يكشف أنه منظومة فكرية عقدية متكاملة، نشأت في أحضان الفلسفات الشرقية، وتشرّبت الطاوية الصينية والبوذية الزنّية، وصرّح مؤسسها بأن الغاية منه ليست الصحة، بل “تحقيق الاتحاد مع الكون”، وهو في حقيقته أحد الطرق للوصول إلى وحدة الوجود.

وقد أخذ هذا النظام يتوسع في العالم العربي والإسلامي، وامتلأت رفوف المكتبات العربية بمئات الكتب التي تحمل تطبيقاته، وظهر في برامج تلفزيونية شهيرة، وأُنشئت له مراكز تدريبية في لبنان وغيره من البلاد الإسلامية. يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة إسلامية رصينة في حقيقة الماكروبيوتيك؛ تكشف أصوله العقدية، وتفكّك ادعاءاته الفلسفية، وتبيّن وجوه تعارضه مع التوحيد، بمنهجية علمية بعيدة عن التهوين والتهويل.

أولاً: ما هو الماكروبيوتيك؟ المعنى والنشأة

طبق ماكروبيوتيك نموذجي يعكس الفلسفة الكونية لا مجرد التغذية

كلمة “الماكروبيوتيك” (Macrobiotics) مشتقة من كلمتين يونانيتين؛ (ماكرو) بمعنى الكبير أو الطويل، و(بيوس) بمعنى الحياة، فيكون المعنى الحرفي: “الحياة الكبيرة” أو “النظرة الكبرى للحياة”، وهذا المعنى يحمل في طيّاته دلالةً تتجاوز الغذاء من اللحظة الأولى؛ إذ ليست “الحياة الكبرى” مجرد طول عمر، بل هي — في اصطلاح مؤسسيها — الحياة المنسجمة مع “النظام الكوني الأشمل”.

تمت صياغة الماكروبيوتيك بصورته المعاصرة على يد الفيلسوف الياباني جورج أوساوا (George Ohsawa) في أربعينيات القرن العشرين، حيث كان حريصاً على تطوير التعاليم الصينية التراثية وإعادة نشرها في أوروبا والغرب، فالماكروبيوتيك — في ظاهره — دعوة إلى الأطعمة ذات المكونات البسيطة والمعدة بطريقة صحية، لكنه في حقيقته نظام مستمد من مزيج من التعاليم الروحانية الشرقية والغربية.

ثم جاء تلميذه ميشيو كوشي (Michio Kushi)ليكمل المسيرة، فأسّس “معهد كوشي” في أمريكا، وأنشأ سلاسل الأطعمة الطبيعية الشهيرة  (Erewhon Foods)، وأصدر مجلة “الشرق والغرب” (East West Journal)، وامتد تأثيره إلى جميع أنحاء العالم، وكانت مريم نور من أوائل من أدخل فلسفة الماكروبيوتيك إلى العالم العربي؛ فأنشأت مركزاً في لبنان يدعى “بيت السلام”، وتقام فيه البرامج التدريبية والخدمات العلاجية، وتقول في وصف الماكروبيوتيك: “إنه ليس عقيدة أو ديناً، إنه التديّن الموجود في القلب والحب للحياة”، وهو وصف يُخفي الفلسفة المضمرة ولا يُبيّنها.

ثانياً: الأسس العقدية والفلسفية — ما لا يُقال في الإعلانات

رمز الين واليانغ: الركيزة الكونية التي يقوم عليها الماكروبيوتيك من بدايته إلى نهايته

لا يمكن فهم الماكروبيوتيك فهماً حقيقياً دون استيعاب منظومته الفكرية، التي يُعرض عنها في الخطاب التسويقي بقصد أو بغير قصد:

١. الطاقة الكونية (Ki) — الإله الخفي

يقوم الماكروبيوتيك على الاعتقاد بأن طاقة كونية تُسمى “تشي” أو “كي” (Ki) تسري في كل ما في الوجود، وتُعتبر جميعها مصادر لاستمداد الطاقة. ولما كان من الصعب أو المستحيل التحكم بـ(تشي) الكونية العامة المتواجدة في البيئة أو المناخ أو الهواء، فهي خارجة عن سيطرة الإنسان، ظهرت أهمية الطعام إذ يُعدّ — شبه الوحيد — الذي يمكن للإنسان التحكم به، وهذا الاعتقاد بالطاقة الكونية ليس مجرد “استعارة علمية”، بل هو صميم الفلسفة الصينية القديمة، وهو يُقرّب مفهوماً عقدياً جوهرياً: أن ثمة قوة سارية في الكون تدبّر وتُشفي وتوازن، مستقلةً عن إرادة الله سبحانه وتعالى.

٢. مبدأ الين واليانغ — ثنائية تُحكم الكون بدلاً من الله

لا عجب أن يكون هذا النظام المستمد من فلسفات الشرق معتمداً بشكل أساس على فلسفة الـ(ين يانغ)، حيث يتم تطبيقها على كل ما يتناوله الإنسان من مأكل ومشرب، لينخرط في المنظومة الكونية للتصنيف، فكل طعام — بل كل شيء في الكون — يُصنَّف بحسب “طاقته” إلى ينيّ أو يانغيّ، وصحة الإنسان تعتمد على تحقيق التوازن بين هاتين القوتين؛ فالمرض ليس جرثومة ولا خللاً عضوياً، بل اختلال في التوازن الكوني.

وتكمن في هذا التصور مشكلة عقدية خطيرة؛ فهو يجعل الكون قائماً بقوتين ذاتيّتين مستقلتين، ويجعل الشفاء والمرض نتيجة “قوانين طاقية” لا نتيجة مشيئة الله وقدره، وقد بيّنت د. ثريا السيف أن هذا المفهوم “ليس مجرد رمز ثقافي، بل عقيدة وثنية لا يجوز للمسلم تبنيها”، ويتجلى هذا أيضاً في مبدأ (دو-أو-راكو) (Do-o-Raku)الذي يراد به التناغم مع الـ(طاو)، وهو المبدأ الحاكم في الفلسفة الصينية المقابل للخالق في الأديان التوحيدية.

٣. الغاية الروحية الكبرى — الاتحاد بالكون

يرى أوساوا أن الماكروبيوتيك هو “إحدى طرق الاتحاد بالكون”، وأنه طريق لتحقيق (النيرفانا) أي “الانعتاق من قيود الذات الفردية والذوبان في الكل الكوني”. ويذهب أبعد من ذلك حين يُصرّح في كتابه “دعوة إلى الصحة والسعادة” أن “اختيار أطعمة ستقودك آخر الأمر إلى الحقيقة والسعادة الأبدية”. فالطعام إذاً — في هذه المنظومة — ليس وقوداً للجسد، بل طريق مقدّس إلى الخلاص.

وهذه الغاية لا تختلف في جوهرها عن مفهوم “السمادهي” في اليوغا، ولا عن مفهوم “الفناء” عند غلاة الصوفية القائلين بوحدة الوجود، ومما يُبيّن مدى خطورة هذه المنظومة أن أوساوا نفسه صرّح أن “الشفاء في الحقيقة لا يتم إلا حين يؤمن المريض بالإيمان”، ويقصد “الإيمان” بالمنظومة الكونية لا بالله، ومن لا يؤمن فمصيره إلى المعاناة.

ثالثاً: أوساوا والكتب المؤسِّسة — شهود من أهلها

كتاب “زن ماكروبيوتيك” لأوساوا: من أصرح الكتب في كشف الفلسفة الدينية للنظام

لمن يشكّك في الطابع العقدي للماكروبيوتيك، فحسبه أن يرجع إلى كتب أوساوا نفسه؛ ففي كتاب “المبدأ الفريد” (Unique Principle) يعرض فلسفته الكونية الشاملة، وفي “زن ماكروبيوتيك” يصرّح أن النظام هو “الطريق العملي للوصول إلى الإدراك البوذي الأعلى”، وفي “دليل الماكروبيوتيك إلى الحياة السعيدة” يكشف المؤلف نفسه عن الوجه الحقيقي — والقبيح — لهذه الفلسفة، ومما يزيد الأمر وضوحاً أن هذه الكتب نُقلت إلى العربية، وقام مترجم بعضها بإدخال بعض المصطلحات الشرعية والنصوص عليها مما يجعل الكتاب متناقضاً في بعض الأحيان، وهو تلبيس مقصود على القارئ المسلم.

ومما أورده أوساوا صراحةً في ادعاء فوائد منظومته: أن الالتزام بها يُحقق سبعة مستويات من الصحة متصاعدة، يبدأ أولها بـ”التخلص من التعب والإرهاق”، ويمر بـ”الحصول على ذاكرة قوية” و”السرعة في التفكير”، وينتهي بـ”الاستقامة” وهي “إدراك ما يسمى الحقيقة المطلقة أو الوحدة الكونية”، وهذا المستوى السابع — في تعبيره — هو أهم هذه المستويات على الإطلاق، وهو الغاية الحقيقية التي يسعى إليها النظام كله، فالصحة الجسدية ليست سوى درجة أولى في سلّم يُفضي في نهايته إلى “الذوبان في الوعي الكوني”، وهي الغاية ذاتها التي تسعى إليها اليوغا والريكي والتأمل التجاوزي.

رابعاً: الماكروبيوتيك في العالم العربي — مريم نور وبيت السلام

من أبرز وجوه انتشار الماكروبيوتيك في بلاد المسلمين ظاهرة “مريم نور”، وهي أحد أشهر رواد الماكروبيوتيك في العالم العربي، ولدت في لبنان، وتلمذت على يد ميشيو كوشي وأنشأت مراكز للماكروبيوتيك في الولايات المتحدة، وأعادت إلى لبنان لتُنشئ مركزها المعروف “بيت السلام” الذي تُقام فيه البرامج التدريبية والخدمات العلاجية عن طريق الماكروبيوتيك، وقد ظهرت في برامج تلفزيونية عربية واسعة الانتشار وكان بداية ظهورها في برنامج (بلا حدود) في قناة الجزيرة.

وتقول مريم نور مدافعةً عن نظامها: “الماكروبيوتيك ليس عقيدة أو ديناً، إنه التديّن الموجود في القلب والحب للحياة، وهو والحياة لا يمكن تجزأتهما، إنه جوهر الحياة والصحة والسعادة والحرية”، وهذا الكلام الذي يبدو براقاً هو في حقيقته تعريف للدين تعريفاً يتجاوز الوحي ويحلّ محله، وفيه تحريف خطير للمعنى الحقيقي للتديّن؛ إذ يجعل الدين “حبًّا للحياة وانسجاماً مع الطبيعة” بدلاً من التسليم لله وإفراده بالعبادة. وقد حذّر د. يوسف البدر صراحةً من تعاليم مريم نور التي أخذت عاتقها الرسالة نفسها، ووصف ما وقعت فيه من نقل الفلسفات الشرقية بصورة صريحة وزندقة وإفساد.

خامساً: الماكروبيوتيك وحركة العصر الجديد

الماكروبيوتيك ركيزة أساسية في منظومة العصر الجديد التي تُقدّم الفلسفات الوثنية بلبوس علمي

يُعدّ الماكروبيوتيك بشكل ملحوظ بين أتباع حركة “العصر الجديد” (New Age Movement) التي هي حركة فكرية باطنية معاصرة تعيد صياغة المعتقدات الشرقية في قالب حداثي جذاب. والماكروبيوتيك يشكّل ركيزةً في هذه الحركة، ويُسوَّق اليوم على أنه برنامج تدريبي استشفائي يأخذ طابع التثقيف الصحي، والعلاج البديل القائم على الإيمان بالطاقة الكونية، وضرورة إعادة تنظيم الحياة من المأكل والملبس والرياضة وتصميم المنزل بشكل يتناسب مع متطلبات انسياب الطاقة الكونية والاتحاد بها، وتسهيل التوصل إلى الصحة والشفاء الجسدي ثم السمو الروحي، ولتحصيل طول العمر والسلامة من الآفات والكوارث.

والملاحظة الجوهرية أن الماكروبيوتيك يتقاطع في هذا الإطار مع منظومة متكاملة من الممارسات: اليوغا، والريكي، والتأمل التجاوزي، وعلوم الطاقة المزعومة، وقانون الجذب. وقد أشارنا في مقال اليوغا على منصة وعي إلى أن برامجها التدريبية والاستشفائية تتضمن نظاماً غذائياً يشبه نظام الماكروبيوتيك، ويعتمد بشكل كبير على تناول النباتات والحبوب مع التركيز والاستغراق في عملية المضغ واعتبارها حركة تأملية مهمة، وهذا الترابط ليس عرضياً، بل يعكس أن كلتا الممارستين تنتميان إلى المنظومة الفكرية نفسها وتغرفان من المصدر الفلسفي ذاته.

ومن أخطر سمات هذه المنظومة أن برامج الماكروبيوتيك في مستوياتها الأولى تركّز على التطبيقات المتعلقة بالغذاء ونظام الحياة اليومي، وفي المستويات الأعلى منها تقدم فلسفة الوجود والمعرفة والحياة وتشرح معتقدات الطاقة الكونية والأجسام السبعة والعناصر الخمسة وغيرها، فيبدأ الإنسان بـ”الأرز البني”، فإذا هو في نهاية المطاف يؤمن بوحدة الوجود.

سادساً: الإشكالات العقدية — حكم اتباع الماكروبيوتيك

بالنظر المتفحص في فلسفة الماكروبيوتيك نجد أنها تمنع شرعاً لعدة اعتبارات، من أبرزها:

أولاً: أن مبتكر هذا النظام الغذائي صرّح بأن الغاية منه ليست صحية وإنما فلسفية روحانية، فقد قال أوساوا في كتابه: “إن هدفي في إصدار هذا الكتيب أن أدلك على طريقة التغذية واختيار أطعمة ستقودك آخر الأمر إلى الحقيقة والسعادة الأبدية”، وإذا صرّح صاحب النظام بذلك فلا مسوّغ للتغافل عنه.

ثانياً: أنه جزء من منظومة الطاقة الفلسفية التي تهدف بمجموعها إلى تحقيق “الإشراق“. فهو لا يُفهم بمعزل عن سياقه الكامل، وكما قرر علماء الشريعة فإن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد، والطريق الموصل إلى الشرك حكمه حكم ما يُوصل إليه.

ثالثاً: أنه يعتمد على فلسفة الين يانغ الطاوية، والتي تمثّل نظرية وحدة الوجود القطبية. وهذه الفلسفة في جوهرها تقول بأن الكون محكوم بقوتين كونيتين ذاتيتين بديلتين عن الخالق المدبّر، وهذا يتعارض مع أصل التوحيد: “اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ” [الزمر: 62].

-رابعاً: أن التعسف في تطبيقه أدى إلى الانحراف في تأويل النصوص الشرعية وتحميلها معاني فلسفية لا تحتملها. إذ يلجأ بعض المسلمين المتأثرين بهذا النظام إلى تفسير آيات الطعام في القرآن الكريم وأحاديث الطب النبوي تفسيراً يجعلها متوافقة مع “فلسفة الين واليانغ”، وهذا تحريف للنصوص وتأويل بغير علم.

خامساً: أنه وسيلة إلى تبني الأساليب “الروحانية” الشرقية والفلسفات الإشراقية النظرية. والمسلم الذي يبدأ بـ”الطعام الصحي” يجد نفسه بعد فترة أمام منظومة متكاملة: الأكل أولاً، ثم المضغ التأملي، ثم مفاهيم الطاقة والين واليانغ، ثم جلسات “تناغم الطاقة”، ثم “الوعي الكوني”، وهذا التدرج ليس صدفةً، بل هو المنطق الداخلي للمنظومة كلها، كما يظهر في بناء برامجها التدريبية المتصاعدة.

سابعاً: محاولات التوفيق — ومواطن الخطأ

ظهرت في العالم العربي محاولات لـ”أسلمة” الماكروبيوتيك أو تقريبه من الإسلام؛ فيُطلق الكتّاب المسلمون من المنتسبين إليه ألفاظاً عامة تحتمل السلامة من المخالفات العقدية، إلا أنها لا تحمل إلا على ما تقرره عند روادها ورجالها الكبار، ومن أبرز هذه المحاولات: كتاب “بين الطب النبوي والماكروبيوتيك” لأسامة صديق مأمون، الذي يحاول التوفيق بين النظامين رغم جوهر التعارض، وكتاب “الماكروبيوتيك” لخالد التركي الذي يستخدم رمز الطاجيكي للتوضيح رغم الفروق الجذرية بينهما.

والأمر في هذا — كما بيّن د. يوسف البدر — أن تقديم الفلسفات الشرقية المحوّرة ليست في كل الأحوال نقية من مصادرها الأصلية، وهو ما يلفت إلى خطورة هذه المذاهب والتطبيقات الوافدة على انتشارها في العالم الإسلامي، إن تقديم الفلسفات الشرقية بصورة صريحة وزندقة وإفساد هو أقل خطورة — في نظري — أولئك الذين يقدمون الفلسفات الشرقية في ثوب إسلامي، فإن الأول الفساد والبطلان واضح وهو ما يلفت الانتباه إلى خطورة هذه المذاهب والتطبيقات الوافدة.

ويزيد الأمر إشكالاً أن كثيراً من مراكز الماكروبيوتيك تتضمن تعاليم تنظيمية لأسلوب الحياة اليومية مبنية على الحكمة الصينية القديمة، وكثيرها يدخل في باب ما يُعرف بـ”علم الفلاحة” أي التعرف على خواص النبات وروحانيته ومشاكلته الكواكب والهياكل المستعملة لذلك، مما هو داخل في باب السحر، وهذا يفتح باباً آخر من أبواب التحريم لا ينبغي إغفاله.

ثامناً: شبهة “تجريد الماكروبيوتيك من فلسفته

يُثار في هذا السياق سؤال مشروع: هل يمكن الأخذ بالجانب الغذائي المحض من الماكروبيوتيك مع تجريده من فلسفته الباطلة؟ وهو سؤال يجيب عنه البحث العلمي في أصول هذا النظام إجابةً قاطعة: لا.

فأولاً: إن محاولة تجريد الماكروبيوتيك من اللوثات العقدية الأصلية فيه أمر غير مجدي؛ فالفلسفة التي يقوم عليها المنظومة التي تهدف إلى الاتحاد وإدراك وحدة الوجود، وليست الأطعمة وأساليب التغذية الصحية سوى وسائل لتحقيق هذا الهدف، وعلى هذا فإن محاولة عزل الماكروبيوتيك عن فلسفته الأصلية يترك نظاماً غذائياً هزيلاً لا يتميز عن آلاف الأنظمة المطروحة للناس، وفي الحلال غنية عن المحرم والمشتبه.

وثانياً: إن التطبيق العملي الفعلي لا يحدث هكذا؛ فمراكز الماكروبيوتيك وبرامجها تُقدّم المنظومة كاملة، والأطعمة مدخل لا نهاية، والمتتبع لمراحل التدريب يجد نفسه ينتقل تدريجياً من الطعام إلى الفلسفة إلى التأمل إلى “الوعي الكوني”، وقد قرّر العلماء أن سدّ الذرائع واجب حين كان الشيء المباح في أصله يُفضي غالباً إلى المحرم.

تاسعاً: ما يقوله العلم والفرق بينه وبين ما يدّعيه الماكروبيوتيك

من باب الإنصاف العلمي، فإن بعض التوجيهات الغذائية في الماكروبيوتيك كالتقليل من الأطعمة المصنعة والسكريات، والإكثار من الخضروات والحبوب الكاملة تتوافق مع توصيات التغذية العلمية الحديثة، لكن لا شيء في هذه التوصيات يختصّ بالماكروبيوتيك؛ فهي مبادئ غذائية عامة يُقرّها العلم الحديث بمعزل عن أي فلسفة كونية.

أما الادعاءات الكبرى فلا تقوم على أدلة علمية رصينة؛ فرغم ما يزعمه مروجو الماكروبيوتيك من إمكانية شفاء الأمراض الخطيرة حتى كالسرطان إلا أن ذلك لم يثبت في دراسة علمية مقبولة، ومما يُلفت النظر أن زوجة ميشيو كوشي – رائد الماكروبيوتيك العالمي – توفّيت بمرض السرطان ذاته الذي كان يدّعي نظامه شفاءه.

وقد تنبّه علماء التغذية إلى مخاطر صحية حقيقية في التطبيق الصارم لهذا النظام؛ من بينها نقص البروتينات والحديد والكالسيوم وفيتامين B12، وضعف المناعة، وتأخر النمو عند الأطفال، أما الاعتقاد بالتصنيف “الطاقي” للأطعمة ين/يانغ فلا أساس له في الفيزياء ولا الكيمياء ولا علم التشريح، ولم يرصده أي جهاز قياس علمي.

عاشراً: هدي الإسلام في العناية بالجسد والطعام

لا يقف الإسلام حجر عثرة أمام الاهتمام بالصحة الغذائية، بل يحثّ على العناية بالنفس والجسد، وقد وضع النبي ﷺ قواعد غذائية بالغة الحكمة، قال ﷺ: “ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطن، بحسب ابن آدم أُكُلات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنفسه” [رواه الترمذي وصحّحه الألباني]. وهذا الإرشاد النبوي في التعديل الغذائي لا يحتاج إلى طلاء فلسفي شرقي.

والإسلام يملك إطاراً شاملاً للغذاء الصحي المتوازن: إباحة واسعة مع تحريم محدود وواضح، وأمر بالاعتدال، وتحذير من الإسراف، وربط بين الطيبات والشكر والإيمان. قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ” [البقرة: 168]. والمسلم يستطيع أن يُكثر من الخضروات والحبوب الكاملة ويُقلّل من الأطعمة المصنّعة والسكريات، دون أن يحتاج إلى الإيمان بـ”الكي الكوني” أو “التوازن الطاقي بين الين واليانغ”.

وأما الطمأنينة الروحية التي يبحث عنها متبعو الماكروبيوتيك في “الانسجام مع الكون”، فالمسلم يجدها في الذكر والصلاة والإنابة إلى الله: “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” [الرعد: 28]. فالانسجام الحقيقي ليس مع “طاقة الكون”، بل مع خالق الكون سبحانه وتعالى.

الخاتمة

الماكروبيوتيك ليس نظاماً غذائياً بريئاً كما يُقدَّم في مراكز الصحة الطبيعية وعلى شاشات التلفاز؛ بل هو منظومة عقدية فلسفية متكاملة، صاغها جورج أوساوا في أحضان الطاوية والبوذية الزنّية، وصرّح هو نفسه بأن غايتها الاتحاد بالكون والوصول إلى النيرفانا، وتتكئ هذه المنظومة على الإيمان بطاقة كونية ذاتية، وعلى فلسفة الين واليانغ التي تجعل الكون محكوماً بقوتين مستقلتين عن إرادة الله، ثم أُعيد تسويق كل ذلك في عصرنا بلغة “الصحة” و”العافية”، وتسلّل إلى بلادنا عبر برامج تلفزيونية وكتب عديدة ومراكز تدريبية.

وحماية جناب التوحيد من هذه التيارات المتسلّلة من أعظم واجبات الدين وأولاها؛ إذ لا ينفع الإنسانَ شيء حين يُفسد قلبه وعقيدته، وإن صحّ جسده، ومن حفظ توحيده وتوكّل على ربّه وأخذ بالأسباب الغذائية الصحية المشروعة المبنية على العلم التجريبي الثابت، كان أوفر حظاً وأعظم توفيقاً ممن أجهد نفسه في اتّباع منظومات تبحث عن السكينة بعيداً عن خالق القلوب.

مشرف منصة وعي